بقلم – عبير فاروق
كثيرٌ من الناس يحملون ثقافةً مغلوطةً عن علاقة الندية بين الأزواج والزوجات، فيظنون أن الرجل يقف حجر عثرة في طريق زوجته، وأنه لا يرضى بتمكينها ودعمها. غير أن التاريخ الإسلامي، والأوروبي، والفرعوني يثبت عكس ذلك تمامًا. فلو عدنا إلى الوراء، لاكتشفنا أن الزوج كان له دور كبير وفعّال في تمكين زوجته علميًا وسياسيًا ودينيًا وتجاريًا ومجتمعيًا.
في التاريخ الإسلامي دعم الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة زوجاتهم في شتى المجالات. فقد دعم النبي صلى الله عليه وسلم زوجته السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها في تجارتها، وحرص على استقلالها المالي، وجعلها شريكة له في دعم الدعوة الإسلامية بمالها وحكمتها ومكانتها الاجتماعية.
وكان ذلك أكبر رمز لتمكين المرأة في الإسلام. كما مكّن الرسول صلى الله عليه وسلم زوجته السيدة عائشة رضي الله عنها، فكانت لها مكانة عظيمة في تبليغ الدين وحفظ السنة والأحاديث الشريفة، حتى صارت مرجعًا علميًا ودينيًا لكبار الصحابة، وساهمت في نشر الفقه وتوجيه الأمة بعد وفاته صلى الله عليه وسلم.
وكذلك فعل سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي أتاح لزوجاته وبناته المشاركة في الشأن العام، وأقر حق الزوجة في النقاش والمراجعة، مستشهدًا بمواقف أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. ووجّه الصحابة إلى تقدير جهود الزوجة في المنزل وتربية الأبناء، وحفظ حقوقها المالية،
فأعطى أمهات المؤمنين والنساء حقوقهن بانتظام من بيت المال ضمانًا لاستقلالهن. ومن الأمثلة البارزة أيضًا مشاركة فاطمة بنت عتبة لزوجها عقيل بن أبي طالب في المواقف السياسية والاجتماعية برأيها الحر وشخصيتها المستقلة، دون أن يقيّدها في حدود الدور المنزلي.
هذه الأمثلة وغيرها تؤكد أن التاريخ الإسلامي حافل بنماذج إيجابية للزوج الذي يحترم شخصية زوجته، ويُمكّنها في كل المجالات، ويستشيرها، ويستعين بها في أموره الدينية والدنيوية. الأمر الذي لا يدع مجالًا للشك في أن فكرة الندية المطلقة بين الرجل والمرأة فكرة غير دقيقة.
فكلاهما شريك للآخر وداعم له. فالرجل حين يختار شريكة حياته يبحث عن شخص يشاركه مناحي الحياة كلها، يعتمد عليه، ويثق في رجاحة عقله، ويشعر بالأمان في ضغوط الحياة، لعلمه أن لديه زوجة تُكمل معه المشوار وتكون سندًا وعضدًا، لا عبئًا.
لذلك فإن الزوج المتصالح مع نفسه يسعى بكل قوة لدعم زوجته وتمكينها من النجاح، ويفتح لها الأبواب الموصدة، ويساعدها على اكتشاف ذاتها ومهاراتها. وهذا ما أثبتته مواقف التاريخ الإسلامي العريق بالحجج الواضحة: أن الزوج كان يتخذ من زوجته شريكةً يسترشد برأيها، ويدعمها نفسيًا ودينيًا وعلميًا حتى تبلغ بر الأمان.
وختامًا، فإن تمكين المرأة بدأ من مواقف الرجل الإيجابية تجاه زوجته. وأول من يسعد بهذا التمكين هو الزوج نفسه الذي يسعى دائمًا لدعم شريكته، حتى يُكملا بعضهما بعضًا، ويُتوّجا حياتهما الزوجية بسلسلة نجاحات متكافئة ترسّخ مبادئ الدين الإسلامي الحنيف الذي أوصى الزوج بزوجته، وأمره بدعمها واحترامها وحفظ حقوقها وحسن معاملتها.







